محمد بن يزيد المبرد

87

المقتضب

وقولك : " زيد أفضل من عمرو " إنّما جعلت غاية تفضيله " عمرا " . فإذا عرفت فضل " عمرو " ، علمت أنّه فوقه . وأمّا قولهم : " إنّها تكون زائدة " ، فلست أرى هذا كما قالوا . وذاك أنّ كلّ كلمة إذا وقعت ، وقع معها معنى ، فإنّما حدثت لذلك المعنى ، وليست بزائدة . فذلك قولهم : " ما جاءني من أحد " ، و " ما رأيت من رجل " . فذكروا أنّها زائدة ، وأنّ المعنى : " ما رأيت رجلا " ، و " ما جاءني أحد " ، وليس كما قالوا ، وذلك لأنّها إذا لم تدخل ، جاز أن يقع النفي بواحد دون سائر جنسه . تقول : " ما جاءني رجل " ، و " ما جاءني عبد اللّه " . إنّما نفيت مجيء واحد ؛ وإذا قلت : " ما جاءني من رجل " ، فقد نفيت الجنس كلّه ، ألا ترى أنّك لو قلت : " ما جاءني من عبد اللّه " ، لم يجز ، لأنّ " عبد اللّه " معرفة ، فإنّما موضعه موضع واحد . * * * ومنها " قط " ومعناها " حسب " ، وهي اسم ، وقولك : " قطك " في معنى قولك : " حسبك " . * * * ومن هذه الحروف " في " ومعناها : ما استوعاه الوعاء ؛ نحو قولك : " الناس في مكان كذا " ، و " فلان في الدار " . فأمّا قولهم : " فيه عيبان " ، فمشتقّ من ذا ، لأنّه جعله كالوعاء للعيبين . والكلام يكون له أصل ثمّ يتّسع فيه فيما شاكل أصله . فمن ذلك قولهم : " زيد على الجبل " ، وتقول : " عليه دين " ، فإنّما أرادوا أنّ الدّين قد ركبه وقد قهره . وقد يكون اللفظ واحدا ويدلّ على اسم ، وفعل ؛ نحو قولك : " زيد على الجبل يا فتى " ، و " زيد علا الجبل " . فيكون " علا " فعلا ، ويكون حرفا خافضا . والمعنى قريب . ومن كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين ، واختلاف اللفظين والمعنى واحد ، واتّفاق اللفظين واختلاف المعنيين . فأمّا اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين ، فهو الباب ، نحو قولك : " قام " ، و " جلس " ، و " ذهب " ، و " جاء " ، و " جمل " ، و " جبل " . وأما اختلاف اللفظين والمعنى واحد ؛ فنحو " جلس " ، و " قعد " ، وقولك : " برّ " ، و " حنطة " ؛ و " ذراع " ، و " ساعد " .